الشيخ علي المشكيني
143
رسائل قرآنى
نفسه . وهذا المنع هو إضلال من اللَّه ، فينغمر العبد في الشهوات ، ويهوي في مهوى الضلالات والمآثم والسيّئات . وأغلب موارد إسناد الإضلال إلى اللَّه في الكتاب الكريم من هذا القبيل ، خاصّة فيما إذا وقعت الإشارة إلى وجه الإضلال ، كقوله تعالى : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ « 1 » . فالمتحصّل : أنّ الوجه في إسناد الإضلال إلى اللَّه أحد أمور ، وهي : إيداع اللَّه في النفوس ما يكون مقتضياً للضلال ، وإيجاده سبب الاختبار والابتلاء فيضلّ به قوم ويهتدي قوم ، ومنعه الفيض والإحسان عن العبد بعد كفرانه وعصيانه . فممّا يحمل على القسم الأوّل من الآيات قوله تعالى : وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ « 2 » . جملة فَرِيقاً هَدَى حال من ضمير الخطاب في بَدَأكُمْ ، والمعنى : أنّكم تعودون إلى القيامة مثل ما بدأكم وأنشأكم في الدنيا . ووجه المماثلة : أنّهم كما خلقوا في الدنيا في بدو أمرهم فريقين وعلى حالين : على اقتضاء الاهتداء وعلى اقتضاء الضلال ، فكذلك يرجعون يوم القيامة إلى ربّهم فريقين : على الهداية وعلى الضلالة ؛ فالمراد بالضلال المعنى الأوّل ، وقد لوحظ الوصفان في المشبّه به بنحو الاقتضاء ، وفي المشبّه بنحو الفعليّة . ويمكن أن يكون المراد بالاهتداء والضلالة الدنيويّان ما حصلوه بالاختيار بعد تحقّق الهداية التشريعيّة وثبوتها في حقّهم ، فيكون الحال مقدّرة ؛ نظيرها في قوله تعالى : فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ « 3 » . فبدأ اللَّه خلقهم حال كونهم فريقين - : هادين وضالّين - بعد رشدهم وتعقّلهم وتمام الحجّة عليهم . وحينئذٍ فمفاد التشبيه : أنّكم كما جئتم إلى الدنيا حال كون طائفة منكم مختارين للاعتداء وطائفة للضلالة ، فكذلك تعودون إلى ربّكم . ونظير الآية قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَايَفْقَهُونَ
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 26 . ( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 29 - 30 . ( 3 ) . الزمر ( 39 ) : 73 .